البشر الذين يخضعون لمعتقدات الإدمان ويتصرفون بناء عليها تنمو لديهم بعض السمات الشخصية کی تمكنهم من الانخراط في الدنيا التي يعيشون فيها . والقسم الأكبر من تلك السمات ينشأ عن قوة دافعة ترمي إلى حماية أنفسهم من المعاناةالحتمية التي تكمن في تلك المعتقدات . ونحن من باب الإجمال ، نطلق على هذه السمات مصطلح “الشخصية المدمنة” .”

صفات الشخصية المدمنة :

وليس من بين هذه السمات بسمة يمكن معها أن “نقطع بأن تلك الشخصية يمكن أن تدخل دائرة الإدمان . ومع كل ذلك ، فالمدمنون تتباين أنواعهم ، مثلما يتباين الناس العاديون . فمن المدمنين السلبي ، والعالة ، ومنهم أيضا الواثق بنفسه والمقدام ، والمستقل ؛ والبعض منهم لا يغضب مطلقا ، وبعض ثان منهم يفرط في الغضب … إلخ .

اختلاف الشخصية المدمنة :

وإذا كان المدمنون يختلفون تماما عن بعضهم البعض ، فكيف يتسنى لنا الحديث عن “الشخصية المدمنة” بأي حال من الأحوال ؟ ومع أن المدمن “السلبي” والمدمن العدواني يبدوان مختلفين عن بعضهما ، إلا أن سمات هذا وسمات ذاك ليست بسوی وجهين مختلفين لعملة واحدة . والمشكلة واحدة في الحالين ( متاعب التحكم في الغضب والسيطرة عليه، على سبيل المثال ) مع أن هذه المشكلة أعربت عن نفسها بطريقة مختلفة في شخصيتي هذين المدمنين.

مميزات الشخصية المدمنة :

هناك بعض “التيمات” المحددة التي من هذا القبيل وتتميز بها الشخصية المدمنة والغالبية العظمى من المدمنين ، على سبيل المثال ، تعاني من مشكلات القوة والسيطرة ( كما سبق أن أوضحنا ) . بعض آخر من المدمنين نصادفهم وهم يتباهون دومامسيطرين أو مغلوبين على أمرهم ، فهم يناضلون – وبطرقهم الخاصة  طلبا للتحكم والسيطرة . من هنا أيضا ، فإن معظم المدمنين تكون لديهم بعض المشكلات فيما يتعلقبالمسئولية . وبصورة عامة ، تعرف غالبية الناس أن المدمنين شخصيات غير مسئولة ،ومع ذلك، فإن بعض المدمنين ( وبخاصة المدمنون المرافقون ) يفرطون في مسئوليتهمعن الآخرين . وواقع الأمر ، أن أولئك وهؤلاء لا يتحملون مسئوليات حيواتهم الخاصةبالشكل الصحيح .

سمات الشخصية المدمنة :

وقلة قليلة منا هي التي تخلو من سمات الشخصية المدمنة ونظرا لأن هذه السما تتنبثق مباشرة من منظومة معتقدات الإنسان الذاتية ، ونظرا أيضا لأن السواد الأعظم منا قد لقن تلك المعتقدات ، فيمكن لنا أن نقول : إننا جميعا نوجد في مكان ما في ذلك النسق . ولكن نظرا لأن أحدا منا لا يخلو من المخاطرة ، فليس مقدر لنا أو مكتوب علينا الإدمان حتى عندما تكون لدينا بعض هذه السمات . ونحن عندما نكون على علم بهذه السمات ، نكون في وضع أفضل نتمكن معه من دراسة المعتقدات الكامنة وراء تلك السمات ، التي تعمل على تغذيتها وتبدأ في تحويرها .

وفيما يلي نورد بعضا من السمات الأكثر شيوعا في الشخصية المدمنة، مع استكشاف مختصر نوضح به كيف أن كل سمة من هذه السمات تجعل الشخص أكثرتعرضا للدخول في دائرة الإدمان .

بعض من السمات الأكثر شيوعا في الشخصية المدمنة :

1-ضياع الذات

وبصرف النظر عن كون الشخص المعرض للإدمان “أنانيا” وبالمعنى الحرفي لهذه الكلمة ، فهو يفتقر في واقع الأمر إلى معنى الذات المتكاملة ؛ وهذا هو السبب الذييجعل مثل هذا الشخص يسعى ويجد في طلب تلك الشخصية الوهمية التي يهينها لهإدمانه – حتى عندما تكون هذه الشخصية من النوع السلبي . والمدمن – رجلا كان أم أنثي – لا يستطيع التعبير عن ذاته شفاهة أو من خلال أسلوب حياته – وسبب ذلك أن المدمن لا يعرف نفسه .

 2- الخواء الداخلي

يوصف الأشخاص المعرضون للإدمان “بالخواء الداخلي في معظم الأحيانوالأرجح أن ذلك الوصف له علاقة بالاغتراب الذي يستشعره أولئك الأشخاص ،والسبب في ذلك هو عدم اتصالهم بمشاعرهم الحقيقية وافتقارهم إلى الإحساس بمعنی الشخصية . والمرء عندما لا يحس معنى ذاته ، سيكون ماله إلى الإحساس بالخواءأو إن شئت فقل : إن مثل هذا الشخص يحس بأنه خاو من داخله .

ومشاعر الإحساس بذلك الخواء الداخلي لها تأثير قوي على الشخص المدمن ، إذ

يدفع ذلك الإحساس صاحبه إلى ملء ذلك الخواء عن طريق تعاطي المخدر ، أو عن طريق شخص آخر ، أو عن طريق الأحاسيس والمشاعر والأشياء الأخرى .

3- افتقاد المعنى والهدف

ومن الأمور التي تتصل بذلك الخواء الداخلي ، أن المدمن عادة ما يفتقر إلىالإحساس بمعنى حياته والهدف منها ، وتيار الإدمان يجرف المدمن الذي لا يعرفالاتجاه الذي هو صائر إليه . وافتقار المدمن إلى الولاء لأي شيء كان ، وكذلك افتقارهإلى الالتزام ، هما اللذان يجعلان الإدمان يحلو في عيني المدمن ويروق له . وملاحقةالحل السريع يخلق للمدمن ” هدفا” وهما متباين الأشكال ، هو الذي يسوغ لذلكالمدمن ضياع معنى الحياة الذي يؤنبه ويؤرقه بصورة مستمرة . والمدمن لا يعرف سوىما يفعله في ذلك اليوم أو تلك الساعة .

4- الإفراط في البحث عن الاستحسان والسعي إليه

نظرا لأن المدمن يفتقر إلى الإحساس بذاته ، فهو يتحتم عليه أن يعرف ذاته ويفكرفيها في ضوء ردود فعل الناس ، ولذلك فهو يسعى دوما إلى استحسانهم لهوأحاسيسه ومشاعره الطيبة عن ذاته تعتمد على ذلك الاستحسان . وبدون ذلكالاستحسان ، يحس المدمن أنه غير جدير بوجوده ، والسبب في ذلك ، أن ذلك “الوجود ” لا يتحقق له إلا من خلال ذلك الاستحسان فقط . والمدمن عندما ينتقده الناسأو يرفضونه يستشعر التهديد بالإبادة والإفناء ، وهذا هو الذي يجعل المدمن يفرط فيالاعتماد على توجيه الآخر له ، وهو الذي يجعله يعتمد أيضا على مدركات الآخر ، بدلامن تركيز اعتماده على ذاته . وواقع الأمر ، هو أن المدمن يعيش للآخر بدلا من أنيعيش لذاتهالخاطئةومن سوء الطالع ، ونظرا لأن المدمن يتصرف طبقا لمنظومة من المعتقدات، فهو يخطئ في معظم الأحيان في تفسير الإشارات التي تصله، إذ يقرأدوما عدم الاستحسان في ردود أفعال الناس عليه ، مع أن هذه الردود قد تكون بريئةمن ذلك التفسير الخاطئ .

 5-انتقاد الذات ومراقبتها

والمدمن – رجلا كان أو امرأة – يتفحص مظهره ، وسلوكه ، وملاحظاته ، وأداءه ، ويقسو على ذاته في انتقاده لها وذلك مخافة عدم استحسان الآخر له ونقده إياه ورفضهله . والحال يشبه ذلك الذي يسمع بأذنيه ذلك الناقد الذي يهمس له قائلا : “كان ينبغيعليك ألا تفعل ذلك” أو “لا تقل ذلك”.

وهذا التفحص المستمر للذات واحدة من السمات المؤلمة في شخصية المدمن ،وهذا هو ما يحكيه لنا جوئيل مدمن الكحول والهيروين كنت على استعداد للتنازل عن أي شيء کی أتخلص من ذلك الخجل والارتباك الذي كان يصيبنیوينتابني أمام الآخرين . كنت أحس وكأني داخل السجن ، كنت غير قادر على التحركبدون تفحص ذاتی تفحصا دقيقا” . وتتمثل جانبية بعض مخدرات الإدمان ( الكحولوالهيروين بصفة خاصة ) في قهر ذلك الرقيب الداخلي والتغلب عليه عن طريق كبتعمل الذهن .

 6- الإحساس بالذنب

السواد الأعظم من المدمنين يحسون قدرا كبيرا من الذنب ، الذي يرتبط بعض منهبالأشياء التي فعلوها يوم أن كانوا داخل دائرة الإدمان . ومع ذلك ، هناك سببأخر لإحساس أولئك المدمنين بالكثير من الذنب .

ومن هنا ، يمكن القول : إن الإدمان يهيئ مركزا رئيسيا للذنب ، أو إن شئتفقل : إنه يهيئ المكان الذي يرسو فيه الذنب ، وهذا يعني أيضا أن الإدمان هوالذي يمد المدمن بسبب الإحساس بالذنب ، كما أن الإدمان هو الذي يهيئ للمدمنأيضا طريقا وهميا للخلاص من ذلك الذنب ، فالإدمان هو الذي يواصل تنبيه ذلكالعداء المكبوت ، كما و هو أيضا الذي يوفر للمدمن عقاب الذات عن ذلك الذنب ،وهكذا تتواصل الدائرة بلا انقطاع . وكلما زاد إحساس المدمن بالذنب ، زاد سعيهأيضا طلبا للغوث والارتياح عن طريق تعاطي المخدر – الأمر الذي ينتهي إلىمزيد من الإحساس بالذنب .

7-إساءة إدارة الغضب

المدمن عادة ما تقل مهارته في التعبير عن غضبه بالطريقة المناسبة . والمدمنرجلا كان أو امرأة – إما أن يطرد غضبه ويختزنه في اللاشعور ليصرفه إما على نفسهأو على الآخر ، أو قد يزيح المدمن ذلك الغضب عن طريق اللوم أو على شكل نوبات منالغضب تكون في غير محلها ، والمدمن يسيء إدارة غضبه في الحالينومن هنا يتحول الإدمان بصوره المختلفة إلى طريقة من طرق التفريغ وبذلك يمكنالسيطرة على العدوان والتحكم فيه . ومع ذلك ، فإن الإدمان ، بكل صوره ينطوي علىشكل من أشكال العنف ضد الذات ، وهو أيضا مدمر لأقرب أقارب المدمن .

 8- الاكتئاب القائم على الإدمان

المدمن يتميز أيضا بالاكتئاب المزمن ، سواء أكان ذلك الاكتئاب مريحا أم مكبوتايضاف إلى ذلك ، أن مشاعر الإحساس بالذنب ، والعار التي يختزنها المدمن ( التييكبتها في معظم الأحيان ) توقد أيضا نيران ذلك الاكتئاب .

أن الاكتئاب الذي يصيب المدمن تكون له علاقة بمعتقده  أنه ينبغي أن يكون قادراعلى السيطرة على كل شيء – وهذا بحد ذاته هدف يستحيل على المدمن تحقيقه .

9- الخدر العاطفي

يعاني السواد الأعظم من المدمنين كثيرا من الخسائر في ماضيهم ، وأهم تلكالخسائر جميعا هو الهجر – سواء أكان هجرا عاطفيا أم ماديا . والمدمن يكبت” أوإنشئت فقل : يختزن تلك المشاعر عندما تبلغ من الشدة حدا يصعب عليه عنده أنيواجهها أو يتعامل معها ( وهذا هو حال مدمن تناول الطعام ) والمدمن عندما يبتعدعن التواصل إلى الحد الذي يجعله لا يعرف ذلك الذي يحسه أو يستشعره يمكن أنينطبق عليه مصطلح “مخدر عاطفيا .

الحالة النفسية للشخصية المدمنة :

ومن سوء حظ المدمن ، أنه عندما لا يتعرف مشاعره باعتبارها إشارة ومؤشر له ،تضيع منه فرصة التعامل ومواجهة تلك المشاعر مواجهة مستمرة، كما تضيع منه أيضافرصة التعامل مع حل المشكلات ، والتعامل مع الأحزان، أو إن شئت فقل : تضيع من المدمن فرصة التعبير عن مشاعره من ناحية وتفريغ تلك المشاعر من ناحية ثانيةوالمدمن عندما يراوده إحساس سييء يهم، على الفور ، في البحث عن مغير الحالةالنفسية الذي يتعاطاه – هذا كله يحدث للمدمن ، دون أن يعرف كنه الإحساس الذييدفعه إلى ذلك في معظم الأحيان.

والمخدرون عاطفيا هم أكثر الناس عرضة للإصابة بالإدمان. والإدمان عند هذه النوعية من البشر يصد عنهم المشاعر ، كما يهيىء لهم ، في الوقت نفسه قدرا منالنشاط ، والأحاسيس ، والأزمات والإثارة يستطيعون به مواجهة الإحساس بالموتفيداخلهم ، ويحفظ عليهم الإحساس بالحياة في أضعف الأحوال .

10- التوتر الداخلي

التوتر الداخلي ، أو إن شئت فقل : “القلق” هو الذي يدفع المدمن ، في معظمالأحيان ، إلى البحث عن طلب النشاط المستمر والسعى إليه . ولعل هذا هو السببالأكيد في انطواء الكثير من الأنشطة المغيرة للحالة النفسية ، والتي يدمنها الناس ،على قدر كبير من الحركة كما هو الحال في : القمار والمقامرة، وفي التسوق ،والتدريبات البدنية ، وإدمان العمل ، وفي المخدرات المحفزة . والمدمن عندما تكون لديه طقوس يمارسها ، أو طريقة تغير بها حالته النفسية ، فلن يكون بحاجة مطلقاإلى الجلوس بلا حراك أو لا يفعل شيئا إلى أن تداهمة تلك المشاعر التي لا يريدهاأو لا يرتاح إليها .

11- الخوف من الإقبال على المخاطر المعقولة

يغلب على الناس أن يتحدثوا عن المدمن باعتباره شخصا يقبل على الكثير من

المخاطر الصارخة . وهذا لا يصدق إلا من الناحية الشكلية فقط ، ومعروف أن المظاهرتخدع دوما . والمدمن يتردد ، في أغلب الأحيان ، في الإقدام على المخاطر الفعلية التيتتعلق بشخصه أو بمستقبله العملي لأنه يخشى الفشل ويتخوف تماما من الرفضومع ذلك ، فالمدمن عندما يكشف ذاته ويرفضه الناس ، يصبح وجها لوجه مع الشعوربالخجل والعار . ولكن المدمن يستر خوفه ، في معظم الأحيان بستار من الشر الوهميالزائف ، الذي يجعله يسارع إلى الإقبال على المخاطر غير المحسوبة – والتي تتسمبالخطورة في بعض الأحيان.

والواقع أن بعض جوانب أسلوب الحياة الذي ينتهجه المدمن في حياته – والتيمنها شراء المخدرات على سبيل المثال – تنطوي على قدر كبير من الخطر الذييمكن أن يتهدد بسلامة المدمن ، أو صحته أو حريته . ومع ذلك، فإن الشيء الوحيدالذي لا يخاطر به المدمن هو انكشافه العاطفي . يضاف إلى ذلك ، أن المهارات التيينطوي عليها الإدمان يغلب أن تكون محددة وواضحة تماما وتتمثل في : شراء المخدروإعداده للتعاطي .

مخاطر الفشل للشخصية المدمنة :

وهذه الخطوات المحددة لا تنطوي إلا على القليل جدا من مخاطر الفشل الحقيقى أو الرفض . أهم من ذلك كله ، أن النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه الخطواتالمحددة يسهل توقعها والوقوف عليها – وقد يصل ذلك ، إلى حد توقع الخجل والعارالذي يمكن أن يستشعره المدمن بعد ذلك .

وعدم استعداد المدمن لاقتحام المخاطر والدخول فيها يؤثر ، في أغلب الأحيان،على علاقات المدمن ومستقبله العملي ، الذي يؤثر أن يلجأ فيه “إلى بر الأمان” بألا يضع نفسه في أي موضع من المواضع التي يمكن رفضه فيها .

12-احتياجات الإدمان المخبأة

جرت العادة أن تكون لدى المدمن مجموعة كبيرة من احتياجات الإدمان التيتخلفت لديه منذ طفولته. والمدمن عندمايصبح يافعا ، ورغما عن واجهة الإستقلال العامة التي يختفي وراعها ، يروح يبحث دون كلل أو ملل عن شيء ما أو شخصما يجعله يحس بالسلامة والأمن والصحةوهذا هو ما يطلق عليه اسم “جوع الارتباط ” .

ومع ذلك، لا يكون المدمنون على بينة كاملة بمدى إدمانهم . ومع أن احتیاج المدمنين هو الذي يتحكم فيهم ويسيطر عليهم ويدفعهم إلى الإدمان ، إلا أنه يعمل عملهمن وراء وعی شعوری . وكثير من المدمنين تتكون لديهم الشخصية “الفظة ظاهريا ،بمعنى أنهم ظاهريا يكونون على استعداد للإقدام على المخاطر ، ويكونون مستقلينظاهريا ( وهذه هي الصورة الذهنية التي يساعد الإدمان على رسمها لديهم ) . ومعذلك ، فإن تلك الواجهة تستر “احتياجات أعمق يظل خبيئا خلفها .

تعريف الادمان عند الشخصية المدمنة :

والإدمان هو الكمال ، في نظر المدمن الذي تكون لديه احتياجات إدمانية مخبأوالإدمان هو الكمال ، عند مثل هذا الشخص ، لأنه هو الذي يوفر له الغوث والارتياحعندما يشبع تلك الاحتياجات بطريقة سلبية بل وبصورة سحرية” أيضا . ومخدرالإدمان ، أو نشاط الإدمان هو الذي يوفر الراحة والأمان ، وهو أيضا الذي يهييللمدمن الاتكالية ، وتسكين الآلام في الوقت الذي يؤكد فيه استمرار إدمان هذاالشخص ذلك المخدر واستمرار اعتماده أيضا على كل أولئك الذين يهتمون به فيإدمانه ( أولئك الذين يسددون عنه فواتيره ، ويتولون عنه مسئولياته ، أو أشياءه الأخرىعلى اختلاف أنواعها ) . والمدمن يستحيل عليه أن يتكلم عن المشاعر الملحة أو يقرويعترف بها مادامت لا تناسب الصورة الذهنية التي يرسمها لنفسه عند الآخر.

13- متاعب مع رموز السلطة

يصعب على المدمن ، في معظم الأحيان ، التعامل مع رموز السلطة – الرؤساء ،الوالدين ، ومع الرؤساء على اختلاف أنواعهم . وهذه الصعوبة ترتبط بحتميةإحساسالمدمن – رجلا كان أم امرأة – بالتحكم والسيطرة والقوة المطلقة – أو قد ترتبط تلكالصعوبة أيضا بغرق المدمن في الإحساس بالعجز والاستهانة .

بعض أشكال الإدمان قد تكون بحد ذاتها مخرجا من الصراع ضد السلطةوتعاطي المخدر غير المشروع يحقر السلطات ويسخر منها في نظر المدمن ، ونحن لسناوفي بعض أشكال الإدمان الأخرى ،التي من قبيل إدمان العمل ، نجد أن المدمن يتعامل مع الخوف من السلطة الذييكمن داخله عن طريق السعی – رغما عنه – إلى إرضاء السلطة أو أن يكون هوالسلطة نفسها .

14- لوم الآخر

والمدمن نظرا لأنه يرى مشقة في تحمل مسئولية نفسه ، يلوم الآخر والظروف الخارجية ، في أغلب الأحيان ، عن كل الأخطاء التي تقع له في حياته .والشخص الذي يلوم الآخرين بدلا من تحمل مسئولية نفسه معرض تماما للدخولفي دائرة الإدمان ، والسبب في ذلك أن مثل هذا الشخص تصبح عنده مسألة مواجهةمشكلاته وحلها أمرا مستحيلا. وإذا كان مثل هذا الشخص لا يتحمل مسئوليةمشكلاته ، فذلك يعني أيضا أنه يستهين بقدرته على تغيير تلك المشكلات . ولعل هذاهوالسبب الذي يتحتم على المدمن إذا ما أراد أن يشفي من إدمانه ، أن يعد قائمة يحددفيها الأخطاء التي ارتكبها ويعترف بمسئوليته عن تلك الأخطاء ويسلم بها . هذافيها الأخطاء التي ارتكبها ويعترف بمسئوليته عن تلك الأخطاء ويسلم بها . هذايعنيأن المدمن ، في عملية الشفاء ، يتخلى عن وضع الضحية ويستبدل به إحساساومعنیأكبر بقدراته وإمكاناته .

15 – ضعف مهارات المواجهة

يكتب ستانتون بيلفي كتابه المعنون معنى الإدمان “كل ما يريده أولئك الذينيعتمدون على الحالات النفسية التي تتولد عن تعاطي المخدرات هو مجرد تغيير أو تعديل مشاعرهم ، والسبب في ذلك أن هؤلاء الناس لا يعتقدون بحق أنهم قادرينعلى التأثير في تلك المواقف التي تسبب لهم تلك المشاعر والأحاسيس ..” وقلةالحيلةهذه فيها مسحة من الصدق والحقيقة ، والسبب في ذلك ، أن ذلك المدمن لم يتعلممطلقا طوال فترة طويلة من حياته طريقة حل المشكلات ، أو المهارات اللازمةلذلك ؛ بلإنه لم يتعلم طوال تلك الفترة سوى إلقاء اللوم على الآخر.

والقدرات التالية تندرج ضمن الأدوات التي يفتقر إليها المدمن :-

(1) القدرة على التوقف والإمساك بتفاصيل المشكلات ،

(2) القدرة على تقييم الخيارات ،

(3) القدرةعلى تحمل الغموض والإحباط ،

(4) القدرة على مراقبة الذات دون أن يقسوا عليها( المدمن لا يعرف سوى لومالآخر والحكم عليه أو لوم ذاتهومحاكمتها ) ،

(5) القدرةعلى التواصل المباشر الأمين ووضع حدود واضحة ،

(6) القدرة على اتخاذ الإجراءاتالمباشرة والبناءة في حل المشكلات ومواجهتها ،

(7) القدرة على البت في الصراعات عن طريق التفاوض و التعاون ،

ومثلما أوضحنا ، فالمدمن عندما يهرب من افتقاره إلى حل المشكلات عن طريق تعاطي مغير الحالة النفسية ، تتراكم مشكلاته أكثر من ذي قبل – وهنا يحلو للمدمنإدمانه أكثر وأكثر.

16- التفكير المغرض

والمدمن – رجل كان أو امرأة – يفكر بطريقة “لو أن …”

أضف إلى ذلك ، أن إصرار المدمن على العيش في دنيا الفنتازيا ( الخيال ) هوالذي يحتم عليه تجاهل كل التغذية الارتجاعية التي تأتيه من البيئة وبخاصة أن تلكالتغذية الارتجاعية تكون معاكسة أو على النقيض من دنيا الفنتازيا التي يعيش فيهاذلك المدمن ، ومدمن الدين ، على سبيل المثال ، ربما يتجاهل تلك الشيكات التي يرفض البنك صرفها ، حفاظا منه على الفنتازيا التي يعيشها والتي مفادها أن موارده ليستمحدودة . والمدمن عندما يفعل ذلك يخفي الحقيقة لأنها لا تناسب معتقداته . ومدمن القمار أيضا قد يتجاهل ، عندما تتملكه آلام إدمانه ، الحقيقة التي مفادها أنه بدأيخسر الكثير وأن الرهن قادم لا محال – ويستمر في مغامرته وتستمر أيضا خسائره . ومدمن الجنس قد يبقى على علاقة من العلاقات برغم الأدلة الواضحة التي تؤكد له أن هذه العلاقة ليست سوى “بئر جافة ، ظنا منه ، “أنه لو يغير تلك العلاقة ، فسوفيكونذلك رائعا ( فسوف يكون سعيدا) .

وخداع النفس الذي يكون من هذا القبيل ، هو التربة الخصبة التي يضرب فيهادفاع الإدمان الإنكاری جذوره .

17- العزوف عن النضج

وفي ضوء ذلك التفكير السحری ، تراود المدمن رغبة مفادها أنه لن ينضج أو ينموعلى الإطلاق وأنه لن يتحمل مطلقا مسئولية ذاته ، وأنه يستحيل أن يبذل ذلك الجهد ، ويكشف من تلك المثابرة التي تصاحب اضطلاع الإنسان بدور الكبار في الحياةوالمدمن يخشى ألا يكون على المستوى المطلوب وهو يضطلع بدور الكبار ، منهنا فهولا يحاول القيام بمثل هذا الدور . ومادام أن المدمن يعيش في دنيا إدمانه ، فهو يستطيع أن يكون ذلك الذي يريد أن يكونه ، بل إنه يعيش في خلاء لا يعرف سلوكه فيه حدودا أو أبعادا ، ويشبع فيها احتياجاته بلا جهد ، ولا يكون فيه مسئولا عن أيشیء ، ولا يستطيع فيه أيضا اقتحام المخاطر أو الإقبال عليها .

18- ضياع الحدود

بحكم أن المدمن لا يكون “خلف ذاته” ، فهو لا يستطيع وحده الإقدام على القيامبالأعمال الإيجابية والمؤكدة اللازمة لإقامة الحدود المناسبة في العلاقات ، وفيالتعاملات المالية ، بل واللازمة أيضا لمختلف جوانب الحياة . ونحن عندما نقول”إقامةالحدود” ، فنحن نعني بذلك أن يقوم المدمن بوضع المعايير التي يرغب أن يعاملهالناسوفقا لها وأن يلتزم هو نفسه بتلك المعايير أيضا .

والطريقة الوحيدة التي يتعامل المدمن – ذكرا كان أم أنثي – بها مع القلق الذييساوره بشأن مسألة وضع الحدود هذه ، تتمثل ببساطة في تحاشي تلك المواقف التييتعين عليه فيها وضع مثل هذه الحدود – كما هو الحال في العلاقات الحميمة أو معمواقع السلطة . والمدمن يفضل أن يضحي بالإشباع الذي يمكن أن يتحقق مع القيامبتلك الأنوار على القلق الذي يصيبه جراء وضع هذه الحدود .

19- الحاجة إلى الإشباع العاجل

المدمن – ذكرا كان أم أنثى – لديه الكثير من الاحتياجات التي لم يجر إشباعها ،ويعتقد أنه ليس بوسعه إشباعها ، وليس من الغرابة في شيء ، أن نجد أن منالصعبعلى المدمن تأجيل الإشباع الوقتي من أجل الحصول على إشباع طويل الأجل .والمدمنلا يصدق أن هناك أشياء أجمل وأحسن تنتظره على المدى الطويل. وأشكالالإدمانعلى اختلاف أنواعها تعطي المدمن إشباعا وهميا حاليا – الآن . والمدمن عندمايتعاطیالمخدر ، لا يتعين عليه تحمل أي قدر من الغموض أو الإحباط ، ولكنه يثق بالراحةالسريعة التي يحصل عليها بواسطة المخدر .   

فهم الشخصية المدمنة :

وفهم المدمن لمعنى “الأحقية” أو إن شئت فقل الإجازة يلعب دورا مهما في ذلك الإشباع السريع . والمدمن بحكم أنه لا يتوفر له سوى القليل جدا من الإشباعالحقيقياللقيم في حياته ( بعد أن يكون قد أعطى الكثير من جهده للآخر طلبا للاستحسان أو منعا للرفض ) يتكون لديه إحساس بأنه “يحق له الانغماس” في إدمانه . هذه هيراشيل ، مدمنة التهام الطعام ، التي تربت مع والدها المدمن الذي يسيء استعمال الكحوليات ، تتذكر مشاعر الأحقية التي كانت تعتمل داخلها عندما كانت طفلة ، فيالوقت الذي بدأ يتزايد نهمها في التهام الطعام .

20- غياب الأب الصالح في دخيلة المدمن

كما سبق أن أوضحنا ، يختزن المدمن في دخيلته الصوت الأبوي الناقد – بلالفاحش ( كان ينبغي ألا تفعل هذا ؛ وكان من الأفضل أن تفعل ذاك” .) ، كمايختزنداخله أيضا صوت الطفل الثائر المتمرد ( سوف أفعل ما أريد ولن تستطيع أنتمنعنیمن ذلك ! ) . والذي يفتقر المدمن إليه هو صوت البالغ – صوت الشفقة والرحمةوالحنان ، صوت العقل والوسطية – شیء يشبه “الأب الصالح” المختزن .

والمدمن ، في غياب ذلك الأب الصالح المختزن لا يستطيع أن يرعى نفسهوالأرجح في مثل هذه الحالة أن يضطر المدمن إلى البحث عن الارتياح والرعايةخارجذاته . وكثير من المخدرات يهيئ للمدمن ذلك الإحساس الوهمی بالارتياح .

وإهمال المدمن لاحتياجاته الأساسية في معظم الأحيان يرتبط بعدم اختزان المدمن”أبا صالحا”. والمدمن يغمس نفسه في تعاطي المخدر ، ولكنه يهمل حاجته إلىالراحة ،وحاجته إلى التغذية الجيدة ، وحاجته إلى الوجبات المنتظمة ، وحاجته إلى الرعايةالطبية ، ورعاية أسنانه ، وحاجته إلى الاستقرار المالي . وباستثناء اهتمام المدمنباحتياجاته الخاصة ( كما يعتقد الكثيرون ) ، فهو لا يهتم بأي شيء آخر ! والمدمنيستشعر أن الإدمان هو “الصحيح” نظرا لأن الإدمان بحد ذاته هو شكل من أشكالإهمال الذات وشكل من أشكال الحرمان الذاتی – برغم أنه قد يبدو ، شكلا من أشكال الإنغماس الذاتى .

21- مشكلات الحميمية

المدمن يعاني من إحساس أليم بالوحدة يعتمل في داخله . والمدمن – – رجلا كانأم امرأة – بحكم أنه يكون فاقدا الاتصال بذاته ، ويحكم عجزه عن ترسيم الحدودوبحكم افتقاره أيضا إلى السيطرة لا يمكن أن يكون أصيلا أو صادقا مع الآخروبالتالي يعجز عن تكوين روابط إشباعية راسخة.

ومع ذلك، فإن تلك السمة لا تكون سمة ظاهرة أو واضحة في كل الأحوال ،والسبب في ذلك أن المدمن قد يبدو منسحبا ، وقد يبدو أن له أصدقاء كثيرين ، بل قديكون متزوجا أيضا . وبصفة عامة ، ورغما عن ذلك فإن مستوى الحميمية فيعلاقاتالمدمن يكون محلوا تماما – إذ إن تلك الحميمية تقوم على الأمور الظاهريةالسطحية ، أو قد تقوم على تبادل الإدمان بدلا من تأسيسها على المقاسمة المشتركةوالمتبادلة . من هنا ، إذا كان المدمنون يبنون مترابطين من حيث المظهر الخارجي، فإنغالبيتهم أو السواد الأعظم منهم يوصفون بأنهم يعانون من مشاعر العزلة القاسيةالتيتعتمل نيرانها في داخلهم .

حب وانشغال الشخصية المدمنة بالمخدر :

في هذه المرحلة ، يظهر الإدمان ليحل محل الحميمية – والسبب في ذلك أن الإدمان يعد من نواحي كثيرة شكلا من أشكال العلاقة . والمدمن في أغلب الأحيان يكون مشغولا بالمخدر الذي يتعاطاه انشغال العاشق أو المحب بموضوع أحلامه ؛وقديكون حب المدمن لتأمين المخدر الذي يتعاطاه ، وحماية ذلك المخدر ، والعناية بهأكثرمن حبه للناس الذين يعيشون معه في منزله وضمن أسرته . والسبب في ذلك أنالمخدريولد لدى المدمن مشاعر الارتباط الوهمية مع الآخر – دون أن يلتزم بمتطلباتالحميميةالواقعية .

22- متاعب الحصول على اللذة الحقيقية

وبرغم الوقت الطيب الوهمي الذي يهيئه للمدمن انغماسه في الملذات إلا أنه قديشعر بافتقاره إلى الإشباع الكبير في حياته . والمدمن – ذكرا كان أم أنثى – ينسحب رغما عنه إلى الإدمان بوصفه شكل من أشكال اللذة الوهمية ، بحكم تعطشه إلى اللذةالحقيقة أو بحكم حنينه شوقا إلى المرح من أجل المرحة ( نظرا لأن المدمن يزيدارتباكهأمام الناس ، ويزيد انشغاله بذاته خشية أن “يفتقدها” في نشاط من الأنشطة ، كمايغلب على المدمن حرمان نفسه من كثير من الملذات البسيطة ) . ومع ذلك ،فالإدمانبديل يستحيل أن يعطي المدمن الحيوية والنشاط اللذين يسعى إليهما ، ( ومن هنا )يستحيل على المدمن الحصول على ما يبتغيه .

الطب النفسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.